الرئيسية / أقلام / وداع للرجل الرشيد… جلال أمين يصل لمحطته الأخيرة

وداع للرجل الرشيد… جلال أمين يصل لمحطته الأخيرة

يتناول كتاب المفكر المصري الراحل جلال أمين “ماذا حدث للمصريين؟” وصفاً لتحولات المجتمع المصري في نصف قرن من الزمن، يمتد من نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 وينتهي سنة 1995، أي أنه يوثق الهزيع الأخير من الحكم الملكي لأسرة محمد علي مقارنة بالمراحل التائهة والمتناقضة لثورة يوليو/تموز، وحتى لحظة الذروة لحكم وسيطرة نظام الرئيس مبارك، المنتشي بفترة رواج اقتصادي، استفادت من ترجمة الموقف المصري في حرب الخليج الثانية إلى مكتسبات اقتصادية، فتحت المجال أمام إطلاق جيل من رجال الدولة القادمين من السوق والمتوجهين نحو تفكيك الدولة، لتنحصر أدوارها في الجانب الإداري والتنظيمي.  تمكن الكتاب من تحقيق نجاح واسع في مصر، وتحول إلى ظاهرة شكلت إطلالة لجلال أمين خارج الأوساط الأكاديمية، فعدا عن رصده لمسارات الحراك الاجتماعي في مصر، ووصفه البليغ لملامحها خلال فترة بحثه ذي الطبيعة التأملية، فإن الكتاب يعتبر صيحة تحذير مبكرة لحالة الميوعة الاجتماعية التي وصلتها مصر في تلك المرحلة، لتستولي مجموعة من الليبراليين الجدد المتحلقين حول جمال مبارك على خيوط لعبة السلطة، وبالطبع كانت الدولة الرخوة التي أخذ يحذر منها جلال أمين قبل ذلك بسنوات طويلة تتفشى في مصر، وتقوض جميع المنجزات التي بدأت منذ العصر الملكي لتأسيس دولة حقيقية، كانت تفكك عملياً فكرة مصر كدولة مركزية في المنطقة وإفريقيا والمتوسط، لمجرد شركة كبيرة تخدم النزعة الأنانية لبعض الفئات التي أجادت لعبة البيضة والحجر.  كان جلال أمين يمثل النقيض الهادئ سياسياً والشرس فكرياً لمدرسة أخرى كان من أبرز ممثليها رئيس الوزراء عاطف عبيد، الذي شهد عصره سلبية من الدولة جعلتها تغامر بتعويم الجنيه المصري، بدون خطة واضحة للتعامل مع الآثار السلبية لهذه الخطوة على الطبقات الفقيرة، كما تحول الفساد في عهد عبيد (1999- 2004) إلى مؤسسة متكاملة تعمل بتنسيق وتكامل للاعتداء على الثروات الوطنية، وللرجلين يمكن أن ينسب دور كبير في ثورة يناير/كانون الثاني 2011، الأول، بدوره التنويري سواء في كتبه أو مقالاته التي حرصت على تفكيك الوعود والأوهام الحكومية، والثاني، بتفريطه في دوره ومسؤولياته لمصلحة رغبات جمال مبارك ونزواته.  ولأن عقله النقدي والقلق على الرغم من هدوئه ومظهره الأبوي، لم يستسلم لرومانسية الميدان وجموحه، فأطلق بعد فترة وجيزة تساؤلاته في مقاله الشهير “الثورة المصرية: أسئلة بلا أجوبة”، وهي المقالة التي دفعت الكاتب وائل قنديل لوصفه بصاحب أول ضربة معول في بنيان ثورة يناير، تمهيداً للانقلاب العسكري، في قسوة غير أنها لا تليق بقامة جلال أمين ولا تجربته، فإنها تتصف بكثير من المجافاة للموضوعية، فالمخيلة التي تقول بطهرانية الثورة هي جزء من الفشل الذي أحاق بالثورة منذ اللحظة الأولى، فالثورة موجة اجتماعية سياسية تغري الانتهازيين وأصحاب الحسابات المؤجلة للحركة، وعادة ما يجدون وقتاً وطاقة انفعالية داخل الفعل الثوري ليفكروا ويخططوا، كما أن تشكك جلال أمين في الظهور السريع والطاغي لكل من محمد البرادعي ووائل غنيم وانسحابهما الغامض من تفاعلات استدعت الدفاع عن الثورة والتمسك بلحظتها، لا يعفي المتحمسين للثورة من تقديم التفسيرات المقنعة لهذه الحالة. يقترب نموذج جلال أمين، وعقله الجدلي المنظم من الصورة التي كان يمكن أن تمنح للمصريين نسخة من بناة الدولة الكبار، على شاكلة مهاتير محمد في ماليزيا و لي كوان يو في سنغافورة، ولكن الخراب الواسع الذي أسسته فترة الديكتاتورية الناصرية في مصر أدى إلى اقصاء أي صاحب رأي مختلف. وأصبحت الحنجرة الأعلى صوتاً واللسان الأكثر مبالغة مسوغات التقدم السياسي والحصول على المناصب والمواقع، وهي أمور لا يمتلكها جلال أمين، ولم تكن للمسيري أو غيره من مفكري مصر. وحتى أساتذة الجامعات المحترمين في تخصصاتهم، ممن كانوا مرشحين لبناء الكتلة التكنوقراطية، تعرضوا على الرغم من عدم انغماسهم في الفكر السياسي، للإقصاء لمصلحة فئة مستعدة لتقديم ما تطلبه السلطة، مثل الفقهاء الدستوريين والقانونيين، الذين تحولوا إلى مجرد ترزية للقوانين لمصلحة النظام واستمراره، وبدأوا في التمهيد لعملية التوريث من خلال تعديلات دستورية كان ينقصها أن يوضع في نصها تنصيب جمال وريثاً لوالده.  في الفترة الأخيرة لم يعد جلال أمين مواظباً على الكتابة، كما أن أعماله الفكرية أخذت منحى أكثر عمومية، وربما كان الأمر مرتبطاً باللياقة الذهنية إلى حد بعيد، وبالتشكك في جدوى ما يقدمه بخصوص الحالة المصرية تحديداً، فبدأ يتوجه إلى إدراك عمق أزمة الفكر العربي المعاصر، ولذلك أخذ ينتقل في معالجاته من الواقع المصري صعوداً باتجاه المحيط العربي، ولكنه لم يمتلك ذلك الجلد المعرفي الاستقصائي والتشريحي مثل الجابري وطرابيشي، والجدير بالمتابعة يتمثل في غرابة النموذج الاقصائي الذي تعرضت له شخصية جلال أمين في حياته، فهو لم يتم إلقاؤه على الهامش بالمطلق مثل جمال حمدان، ولم يكن معنياً بتحقيق تقدم على المستوى الوظيفي، ولا عرضت عليه الفرص لذلك، لأن معاييره للصديق والعدو مختلفة عن السائد في الثقافة العربية، كما لم يكن يحمل النبرة المتحمسة والمتهافتة التي تجعله صاحب ظهور إعلامي متواصل.  القصة ليست في تقديم تأبين يستحقه جلال أمين، ولا عرض أعماله أو أفكاره أو نقدها، فالفكرة الأساسية من الوقوف على لحظة رحيله تتمثل في تقديم نموذج آخر من علاقة المثقف بالسلطة في العالم العربي، وفي واحدة من الدول المنتجة للثقافة العربية، والرائدة أيضاً للأسف في ممارسة تأليه الحاكم لدرجة أن يصبح البطش والقمع مجرد أعمال تربوية للشعب، الذي يعيش في الظل العالي للرئيس ـ الأب، وهذه الوضعية دفعت المثقف لتقليب خياراته بين الاحتفاظ بالكرامة الشخصية وإهدارها، سواء بالرفض الصريح الصدامي أو الانكباب والانصياع الرخيص، وخيارات الكرامة كانت في وظيفة تتبع لمؤسسة، لا تمتلك الحكومة المصرية أي سلطة تجاهها وهي الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وهو أحد الخيارات التي توجه لها العديد من المفكرين والمثقفين العرب، ويحسب له أن مقاومته امتدت طويلاً وطويلاً ولم يخضع لإغراءات التسوية مهما كانت أنيقة ومترفة، ولم تغره فخاخها المفتوحة على النحو الترويضي الذي ألقى باسماعيل سراج الدين من خانة التنويريين إلى الحبل المشدود للتبريريين في سيرك المناصب والبروتوكول.  برحيل جلال أمين تنطفئ آخر قناديل حركة تنويرية عربية حاربت بالكلمة والمنطق والعقل في زمن التشظي والتشوش والصخب و(الزحمة)، ولكن نظرته الدافئة التي كان يلقيها على مصر وعلى ما فيها من حزن لم تكن أبداً تحمل اليأس، وكانت تعطي بصيصاً من الثقة بأن في هذه البلاد رجلا رشيدا.

سامح المحاريق/ كاتب أردني

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *