وعــــدة “العبـــازيـــز”…تعـــود بــــعد غيـــاب طويـــل

تلمّ شمل سكان الشارف بالجلفة

عاشت مدينة الشارف (الواقعة على بعد 50 كلم غربي ولاية الجلفة) خلال الثلاثة الأيام الأخيرة على وقع أهازيج وعدة “الحاج سيدي عبد العزيز”، بعد طول غياب لهذه الطقوس المجتمعية التي تجمع الصغير والكبير القريب والبعيد على عادات لم تضمحل أبدا رغم ريح التحوّلات الاجتماعية.

وقد امتزج الاحتفال الشعبي والجماهيري بهذه الوعدة بنسمات الاحتفاء الرسمي بالذكرى الــ 64 لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة التي كانت موعدا لانطلاق التظاهرة ببعدها الاجتماعي، حيث زادت نفحاتها رفع الراية الوطنية في مداخل ومخارج المدينة ابتهاجا بالحدثين. وبالقرب من الطريق المؤدي لمنطقة “تاوزاة” بمحاذاة النسيج الحضري للشارف، اجتمعت حشود سكان المدينة والوافدين لها من مختلف ربوع ولايات الوطن وكذا القريبين من هذا الحدث، ناهيك عن جموع المحبين والمولعين بالوعدات التي تثلج القلوب وتحيي النفوس بعادات مجتمعية أصيلة.

“الفنتازيا” و”العلفة” حاضرة بقوة

ولعل أهم ما ميز الحدث -الذي حضره “العبازيز” (نسبة لعرش الحاج سيدي عبد العزيز) بكل عزيمة وإصرار وقاربوا المسافة الطويلة التي كانت تبعدهم عن “وعدة”  لا طالما تشبث بها أباؤهم وأجدادهم- هو الحضور القوي للفرسان من مختلف ولايات الوطن والمناطق المجاورة لإمتاع الحاضرين بــ“الفنتازيا” واللباس الأصيل الذي أصبحت رؤيته تكاد تذكر الكثيرين من كهول وشيوخ المنطقة بلوحات فنية ألفوها في الماضي القريب، وأصبحت لهم اليوم بمثابة ذكريات في سجل الأذهان. كما تم تنظيم خلال هذه التظاهرة “العلفة” وهي سباقات الخيالة كما يصطلح عليه محليا أيضا بـ”المشاوير” وهي تتبع الفرسان ببعضهم بعض على خط واحد ثم يسيرون بكل أريحية رافعين رؤوسهم شامخين ثم يبدؤون بالجري والتسابق مع طلقات البارود، ما يجعل الأرض تهتز بجوار الميادين المخصصة مؤقتا لهذه السباقات”.

أطباق “الروينة” و”الكسكسي” تزين القعدة

انبثق عن هذه الوعدة التي نشطت المدينة لثلاث أيام متتالية الخصال الطيبة وصفات الجود والكرم لسكان المنطقة، حيث فتحت أبواب كل البيوت للضيوف بتقديمهم صينيات القهوة والفناجين المتراصة وبصحون “الروينة” التي تحضر من طحين القمح المحمص، ثم يأتي وقت منتصف النهار حتى تجد رجال المنطقة وخيرة شبابها يستوقفون الضيوف على قارعة الطريق لعلهم يحظون بمتعة مجالستهم وتقديم لهم معروف الوعدة المتمثل في الكسكسي باللحم وكل ما تجود به العائلات كرما ومقدرة. كما أمتعت طلقات البارود هي الأخرى الحاضرين، حيث دوت أصوات البرود السماء عند سماع كلمة واحد من فارس همام يطلق العنان لأقرانه بكلمة “مكاحل” فيقبض الفرسان أصابعهم على الزناد في لحظة واحدة تتعالى في الطلقات وتتناثر بقايا البارود في جو من الفرجة عند الكبار، لكنها بالمقابل تربك الأطفال فيضعون أصابعهم على أذانهم خوفا من دويّها ليعوّدون بعدها لأجواء الفرحة والبهجة التي تطبع المكان. “من بعيد حضرنا لعروض الفنتازيا”، يقول “عبد الحفيظ” وهو أحد الزائرين الذي اصطحب أبناءه معه من ولاية تيارت مستمتعا بكل اللحظات التي تغمر المكان ولعل أهمها على حد تعبيره “الولوج إلى مخبر التصوير المتنقل للظفر بصور تذكارية تراثية”، حيث دخل في طابور طويل من أجل أن يلبس أبناءه لباس الفارس الأصيل ومنثمة يمتطون الجواد المزركش سرجه بكل الألوان الزاهية وفي الأخير نال مراده وحظي بالصور التي سيعود بها للأهل لكي تحفظ في سجل الذكريات الجميلة.

ولـ”القوال” و”الحكواتي” نصيب من الاحتفالية

كما كان كل من “القوال” و”الحكواتي” و”المداح” والشعر الشعبي حاضرين بقوة في هذا الحدث الثقافي الممزوج بعبق تاريخ الثورة المجيد ، وبين جموع الناس تجد في كل زاوية من المكان المكتظ عن آخره “حكواتي” حوله الناس يستمتعون بقصصه الشعبية شأنه شأن القوال الذي يمزج هو الآخر بين تراث الأمس وواقع اليوم بكلام موزون، كما تجد بالمقابل المداح وفرق الفلكور الشعبي  (القايطة والبندير) تمتع محبيها على وقع غناء وأهازيج محلية بامتياز تهتز لها الأبدان وتكون فيها الغلبة لمن يرقص بتفنن جميل. هي إذن وعدة “العبازيز” التي طال غيابها لمدة قاربت الــ 10 سنوات، كما صرح الحاج “المختار” الذي قال ووجهه مغمور بالسعادة بأن “عودتها (أي الوعدة ) تزامنت وهطول أمطار الخير والبركات وفي أيام مشهودة من شهر عزيز على الجزائريين عامة، فهي وعدة لسكان مدينة الشارف التي يتصف أهلها بالسخاء والكرم والجود ويغازلون الفرس ويمجدون الشعر الشعبي ويحفظون تراثهم بكل عزة وهم من نسل رجل هو “الحاج سي عبد العزيز” التي تعددت أساطير حياته كونه رجلا صالحا له من الكرامات التي كانت ثمارها من خصاله وجوده وكرمه واتصافه بحب الإيثار”.

ق.م/وأج

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *