الرئيسية / أقلام / يتكلمون كلام المسيح ويعملون بتعاليم ميكيافيلي

يتكلمون كلام المسيح ويعملون بتعاليم ميكيافيلي

وظفت الولايات المتحدة أيديولوجيات تسويقية من قبيل حقوق الإنسان والتبشير بالديمقراطية ومساواة المرأة. وكانت هذه الأيديولوجية بمثابة الحافز العقائدي المعنوي والرمزي للدفاع عن شرعية الغزو والإطاحة بالأنظمة واحتلال الدول كأفغانستان والعراق, ولترسيخ تفوق ما سُمي بالليبرالية الديمقراطية أمام العقائد الشيوعية أو الكونفوشيوسية أو الجهادية.

وعملت الأذرع الإعلامية والمؤسسات الفكرية والثقافية بكل قوتها للدفع نحو سيادة النموذج الليبرالي الأمريكي, وتقديمه مختلفا عن كل النماذج الأخرى والبُنى السياسية المرفوضة أمريكيا, التي كانت محل هجاء سياسي أخْذا في الاعتبار أنها مركبة وهجينة, ودفعا نحو تزكية الخيار الليبرالي الديمقراطي. ولم تكن هذه الخطوات في الواقع سوى محاولة لتمتين الهيمنة الغربية على بقية دول العالم. ومن الواضح أن ريادة الولايات المتحدة والليبرالية الديمقراطية الغربية, معنية تماما في مثل هذه المرحلة التاريخية بتطلعات الصين, وحضورها المالي والتجاري القوي, واتحاداتها المُعلنة مع مجموعة “البريكس”. وكان شعار “طريق واحد حزام واحد” ما ردت به بكين على سياسة الولايات المتحدة التي رغبت في خنقها إلى جانب روسيا الاتحادية, عبر تحجيم انتقال الصين بِحُرِية في الملاحة البحرية, وفرض عقوبات اقتصادية على روسيا, خاصة بعد إسقاط النظام الموالي لموسكو في أوكرانيا, وتوظيف الأزمة الأوكرانية لتخريب العلاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي. ويبدو النظام العالمي في تغير مستمر, وغير خاضع لرغبات واشنطن, التي حرصت على أن يكون اقتصادي النزعة, خاضعا لحاجاتها الاقتصادية, ومتحَكما فيه سياسيا. وعلى أساس ذلك تم ضرب النسيج القومي للإمبراطوريات التقليدية وتفكيكه, وكانت أوروبا الغربية, وفي مقدمتها المملكة المتحدة هي المعنية بمثل تلك الخطوات بالدرجة الأولى. وبدت ملامحها تظهر منذ “مشروع مارشال” الذي اشترطت الولايات المتحدة تطبيقه لدخول الحرب العالمية الثانية مع الحلفاء وتضمن اعتماد الدولار كعملة عالمية ونقل الذهب إلى أمريكا وإنشاء حلف شمال الأطلسي تحت قيادة أمريكية, بالإضافة إلى إعادة إعمار أوروبا المنهكة اقتصاديا والمدمرة بنيتها التحتية, وجعلها سوقا للمنتجات الأمريكية. ووافقت أوروبا على ذلك وكان هذا التاريخ إعلانا عن خروج أوروبا نهائيا من دائرة السيادة والسيطرة العالمية, التي امتدت لأكثر من نصف قرن تقريبا . ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية لم يعد لبريطانيا وفرنسا مثلا الوزن التقليدي, بل أصبح الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة يتقاسمان الإرث الاستعماري للدول الأوروبية. وبروز كليهما كقوى عظمى تربعت على عرش العالم أنهى حقبة تقليدية من تاريخ أوروبا الاستعمارية. ولكي تضمن أمريكا تبعية فرنسا وبريطانيا مُنحت إفريقيا للأوروبيين بعد الحرب لاستغلالها بشكل مطلق بعد تضررهم من الحرب العالمية. وإلى الآن أغلب الدول الإفريقية تخضع للسيطرة الفرنسية والبريطانية, وتُستنزف ثرواتها وتُفقر شعوبها بدون أدنى أخلاق إنسانية للدول الاستعمارية التقليدية. أما الوجود الأمريكي في المنطقة فقد كان في البداية لحماية الشركات الأمريكية, وأصبح بعد الحرب الباردة وجودا عسكريا مباشرا, بعد توقيع اتفاقيات أمنية حاولت أن تضفي نوعا من الشرعية في إنشاء القواعد العسكرية البرية والجوية والبحرية. وهناك اختلاف بين روسيا وأمريكا في إدارة العالم منذ الحرب الباردة, وتشكل حلف “الناتو” وحلف “وارسو”, وكلاهما يهدف إلى الهيمنة وتوسيع النفوذ ويدفع نحو الصراعات الاقليمية بين الدول المتجاورة, مثلما كان الشأن بين العراق وإيران حيث عملت أمريكا حينها على دعم كلا الطرفين لإطالة أمد الحرب عن طريق أدواتها المعهودة وهي الدعم السياسي والدبلوماسي وتقديم السلاح والغذاء. وليس غريبا أن تكون الساحة السورية محطة مهمة في صراع الأقطاب والمنافسة الروسية الأمريكية, وقد وصلت فيها الأمور في لحظة ما إلى قرب مواجهة عسكرية كانت محتملة, خاصة عندما قررت الولايات المتحدة ضرب الأراضي السورية, ورد الجانب الروسي بحتمية استهداف مصادر الصواريخ مهما كانت الدولة التي تُطلقها, في صورة المساس بالمصالح الروسية في سوريا ما بالك بالجنود الروس. وهي لحظة خطيرة جدا ضمن تاريخ النزاعات التي كادت أن تكون مدمرة للعالم مثل حرب فيتنام وأزمة برلين والحرب الكورية وأزمة الصواريخ الكوبية, التي وضعت العالم على بعد كلمة واحدة من نشوب حرب ذرية في أكتوبر/تشرين الأول 1962 كانت ستأتي على نصف الكرة الأرضية الشمالي بدون شك لو رد السوفييت على استهداف الغواصات من جانب المدمرات الأمريكية, ولو لم يختر كينيدي سياسة العزل والحصار بديلا عن المواجهة العسكرية مع قوة نووية مضادة. وإلى الآن ينظر الجميع لمنطقة الشرق الأوسط بنفطها وخيراتها, على أنها “جائزة حيوية” لأي دولة معنية بممارسة النفوذ أو السيطرة عالميا, وينبوع قوة استراتيجية مذهل وإحدى أعظم المكاسب المادية في تاريخ العالم. ولهذا كان الشرق الأوسط من نصيب الولايات المتحدة وتُركت إفريقيا لأوروبا. فليتمهل إذن كُتاب المقالات السريعة ومن يحبون تقريب الميكرفونات في قراءة الانسحاب الأمريكي من سوريا, الذي لا يمكن أن يكون تفريطا أو مساومة وليس ارتجالا من إدارة ترامب كما يتم تسويقه, لأن علاقة أمريكا بالشرق الأوسط لا يمكن أن يحسم فيها شخص يحمل نوازع مرضية وخواطر متقلبة ومزاجية.

لطفي العبيدي/ كاتب تونسي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *