الرئيسية / الحدث / يـومــيات مـصــطـاف لم يتمكن من الاصطياف..!

يـومــيات مـصــطـاف لم يتمكن من الاصطياف..!

مافيا “الباراصول” تحتل الشواطئ والشكوى تتيه في قطاع التخصص

قررت السلطات أنه ما دامت الشواطئ من الثروات التي هي ملك للمجموعة الوطنية، بحسب ما ينص عليه الدستور، فهي متاحة للجميع بالتساوي، فلا يحق لأحد أن يستأثر بالانتفاع بها، ولتطبيق هذا المبدأ منعت من احتلالها من مؤجري الشمسيات والخيم، وتركت حرية الاستئجار للمصطاف، منعت استغلال حظائر السيارات إلا تلك التي تسيرها الجماعات المحلية وحدد السعر بــ70 دينارا، من يسمع كلام المسؤولين يقول إنه تم بسط سلطان القانون وسينعم هذه السنة بشواطئ بلاده دون أن يضايقه أحد..

ذهبت لأرى ما أشاهده على الشاشات من تصريحات مختلف الوزراء وحملات المداهمة المرفوقة بكاميرات مختلف التليفزيونات في إطار مخطط “دلفين”، و”المخطط الأزرق”، قررت خوض هذه التجربة رفقة العائلة، اخترت الوجهة ولاية بومرداس التي تتميز بشريطها الساحلي الغني بالشواطئ. كان يوم خميس، يعني ليس يوم عطلة للعديد من الموظفين، لكنه يوم عطلتي الوحيد في الأسبوع، وصلنا بالسيارة إلى منطقة الكرمة 4 كلم شرق مركز بومرداس، في حدود الساعة التاسعة والنصف صباحا، يعني ليست ساعة ذروة وصول المصطافين للشواطئ، اخترنا شاطئ “الياسمين”، الذي يبعد بخطوات عن نقطة المراقبة التابعة للدرك الوطني، الشاطئ المألوف لدى الشرقي منه، ولكن قبل وصولي إلى موقف السيارات فاجأني منظر الشاطئ المحتل طرفاه بالخيام والشمسيات، التي تحتل الصفوف الأولى وتحجب مجال النظر للصفوف الخلفية، رغم أن الشاطئ كان شبه خال من المصطافين !! لم أشأ الدخول في سجال مع “شباب الباراصول” منذ الساعات الأولى، فقررت تغيير الاتجاه إلى الشاطئ الغربي منه، وصلت إلى حظيرة السيارات كان في استقبال المصطافين حارس الموقف، توقفت عنده مستفسرا عن سعر التوقف فأخبرني أنه 100 دينار، فتجاوزت عن 30 دينار الفارق بين السعر المقنن وما طالب به، ومنحني مقابل ذلك تذكرة ليس فيها إشارة لأي مؤسسة أو هيئة رسمية، كل ما فيه اسم الشاطئ وسعر 100 دج و200 دج !!

قانونهم “لا تحجب الرؤيا عن زبائني.. ولتذهب أنت وعائلتك إلى الجحيم !”

توجهت بعد ركن سيارتي إلى رمال الشاطئ الذهبية وجدت مكانا في مقدمة الصف بصعوبة، بسبب الخيام التي احتلته وكانت فارغة، وبدأت بنصب شمسيتي الخاصة التي استقدمتها معي، وحرصت على اختيار مكان في المقدمة بالقرب من المياه لكي أستطيع مراقبة أطفالي الصغار المرافقين لي أحدهم في الخامسة من عمره والثاني 10 أشهر، لكني تفاجأت بصاحب الخيام يبادرني بأني لا أستطيع وضع شمسيتي هناك، بحجة أني سأحجب الرؤية عن زبائنه الذين لم يكونوا قد حضروا أصلا في الخلف!! فطلب مني الاختيار إما بنصبها خلف الخيام يعني أنه يحق له ولزبائنه ما لا يحق لي، رغم أن الشمسية لا تحجب الرؤيا كما تحجبه الخيمة، أو الابتعاد نحو الغرب إلى حدود نهاية سلسلة الخيام، يعني أن أمشي رفقة العائلة قرابة 300 متر لأستقر في مكان خال ويقصده الصيادون !! هنا قررت أن أدخل في سجال معه وأن أقنعه بأنه لا يملك أي حق في استغلال الشاطئ، سألته “بأي حق تمنعني هل أنت تملك الشاطئ؟ هل أنت استأجرت الشاطئ؟” لم يجب لأني كنت أجيب في مكانه ولم يكن يعترض قلت له “إنك لا تملك عقد ملكية الشاطئ ولا تملك عقد كرائه”، وقلت له “أقصى ما يمكنك ملكه ترخيص باستغلال مساحة 5 متر مربع لتضع فيها تجهيزاتك التي تؤجرها لمن يشاء، ولا يحق لك نصبها قبل حضور زبونك، ولا يعطيك هذا الحق في أن تمنع من وصل قبل زبونك أن يجلس أنى يشاء”، وبقي مصرا على موقفه فأقنعتني زوجتي أن أذهب لإيداع شكوى لدى الدرك الوطني، رغم أني لم أكن متحمسا للفكرة بسبب معرفتي المسبقة لما ستؤول إليه المحاولة، حيث تنبأت بأن نضيع وقتنا ووقت أبنائنا دون جدوى، ولكني سايرتها لأقف على مدى فعالية الأجهزة الأمنية في مرافقة قرارات السلطات وتطبيقها في الميدان، فكانت الفرصة مواتية، مادام المسؤولون قد رموا الكرة في مرمى المواطنين، لأنهم قالوا لهم “يجب على المصطافين التبليغ عن التجاوزات التي تطالهم لكي تتكفل السلطات الأمنية براحتهم”. عدت مسرعا إلى السيارة رفقة باقي أفراد عائلتي ولم يكن قد مر على ركنها عشر دقائق، وتركت الشاب خلفي وقد صعد إلى المنصة العالية المخصصة لحراس الشواطئ لمراقبة المصطافين، وكأنه مالك الشاطئ..

محاولة تقديم الشكوى تفشل أمام عبارة “ليس ضمن قطاع تخصصي”!

أدرت محرك السيارة وغادرت الموقف حتى دون أن أطالب بتعويض التذكرة التي دفعت مقابلها 100 دينار، اتجهت صوب الحاجز الأمني للدرك الوطني القريب من الشاطئ، أوقفت سيارتي ونزلت صوب الدركي الذي كان في الحاجز وهو برتبة رقيب، أخبرته أني أريد إيداع شكوى عن تجاوز وقع لي في الشاطئ القريب منه، فأخبرني أن ذلك ليس في مجال تخصصه، فسألته “أين يمكنني أن أبلغ؟”، فقال لي “اذهب إلى مركز ولاية بومرداس”، رجعت إلى السيارة حاملا معي يقيني ببدء مرحلة المعاناة مع ممارسة حقي في الشكوى.. تكبدت معاناة الوصول إلى مدينة بومرداس، بسبب حاجز الشرطة بالقرب من مركز الراحة العائلي “سياراف” التابع للمديرية العامة للأمن الوطني، وخطرت لي فكرة قلت في نفسي “لم لا أجرب سلك الشرطة ربما أنصفوني؟” وذلك ولفكرة مسبقة لدي بأن المجموعة الولائية للدرك الوطني لا تستقبل شكاوى المواطنين. توقفت عند حاجز الشرطة وبادرت الشرطي بإخباره بأني أريد تقديم شكوى بصاحب “الباراصول”، فسألني مستفسرا أين وقع لي ذلك، أخبرته بأنه في شاطئ “الياسمين” بالكرمة، فاعتذر مني وأخبرني بأن ذلك الشاطئ خارج دائرة اختصاص الأمن الوطني، وأنه في مجال تخصص الدرك الوطني، ونصحني أن أتجه إلى مقر الدرك الوطني بزموري، وتأكدت منه أن القائمين على المجموعة الولائية للدرك سوف يوجهوني إلى إحدى فرقها. عدت أدراجي والساعة بدأت تميل إلى أوقات ارتفاع درجة الحرارة، واتجهت نحو بلدية زموري، وقبل أن أصل إليها توقفت عند حاجز للدرك الوطني في مخرج منطقة الصغيرات التابعة لبلدية الثنية، لأني لاحظت وجود مقر فرقة للدرك الوطني بالقرب منها، فحاولت الدخول بسيارتي أوقفني الدركي الذي كان في نقطة التفتيش، فأخبرته أني أريد أن أودع شكوى، فتوجه إلى رئيسه برتبة رقيب أول فأتاني مستفسرا عن الشكوى، فأخبرته أني تعرضت رفقة عائلتي لمضايقات من قبل صاحب “البراصول” فتردد كثيرا ثم سألني عن المكان فأخبرته أنه في الكرمة، فوجد الحل في الكلمة السحرية “قطاع التخصص” وسرعان ما اعتذر مني لأن الرائد حضر للتفتيش وطلب مني أن أعود لفرقة بلدية الثنية!!

”الباركينغ” استباحة أخرى لمال المصطاف!

ولأن ابني ذا الخمس سنوات بدأ يلح علي أن آخذه ليسبح، وكانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة والربع قررت التراجع عن فكرة التبليغ، لأني كنت مقتنعا بأني سأقضي نهاري كله في “متاهة” قطاع التخصص، لأجد نفسي في الأخير إن تم استقبالي، محتجزا في مكتب أنتظر متى يتكرم علي ويتم سماعي، ويختتم ذلك بتحرير محضر بعد سؤالي عن اسمي وباقي بياناتي ويتم تصنيف المحضر، ولكن زوجتي لم تكن تعلم كيف تسير هذه الأمور، فقررت أن أؤجل مسألة التبليغ إلى ما بعد وأقنعتنها أن تنسى مؤقتا مسألة الشكوى. عدت إلى شاطئ الياسمين لأطلب تعويض التذكرة، أردت فقط أن أختبر أصحاب الحظيرة، ولكن للأمانة بمجرد وصولي واستظهار التذكرة حتى سألني قابض التذاكر كم السعر فأخبرته أنه 100 دينار فردها إلي دون نقاش. توجهت إلى منطقة الصغيرات وأردت تجريب شاطئها، فما إن وصلت حتى استوقفني حارس الحظيرة، قلت له “سوف أذهب لأرى إن كان الشاطئ يليق بي وأعود لأدفع الثمن إن استقر بي المقام”، نزلت من السيارة ومسحت الشاطئ بعيني فوجده محتلا بشكل شبه كلي بالخيام الفارغة، بالرغم من أن هذا الشاطئ مراقب من أعوان الدرك الوطني، وبصعوبة وجدت مكانا فارغا بين الخيام قريب من موقف السيارات، عدت إلى حارس الموقف كما كان اتفاقنا، لأسدد مبلغ الحق في التوقف فأخبرني أن أعطيه 200 دينار، فانتابني غضب لعلمي بأن السعر المقنن 70 دينار والآخرون يدفعون 100 دينار، ولكني لم أشأ أن “يوسوس لي شرفي” بالدخول معه في سجال وأتوعده بالشكوى لأني أعلم نهايتها، فقلت له “السلام عليكم” وغادرت المكان وتركته مسمرا في مكانه لم يفهم شيئا.. فشعرت براحة نفسية لأني لست أنا الذي حمل همها هذه المرة..

شواطئ “محتلة” وأخرى “مستقلة”!!

اقترب منتصف النهار وابني يلح علي أن آخذه إلى البحر، قلت في نفسي سأتجه شرقا وإن بلغ بي المطاف الوصول إلى مدينة دلس أقصى شرق بومرداس، ولكني غيرت رأيي حين وصلت إلى زموري فاتجهت إلى واجهتها البحرية، وكنت “مكشرا عن أنيابي” لما لقيته في السابق، ولما وصلت إلى شاطئها الثاني نحو الجهة الشرقية المقابل لمركز الراحة العائلي، تفاجأت أني وجدت صاحب الموقف إنسانا “وديعا”، ترجلت من سيارتي وجدت الشاطئ فيه خيام، ولكن أصحابها تركوا متسعا من المكان في الوسط شاغرا، فحمدت الله على أنه بقيت بعض الشواطئ مستقلة !!

 

روبورتاج/ صديق يحياوي

شاهد أيضاً

تعيينات مع وقف التنفيذ

قضاة منعوا من التنصيب وآخرون عينوا بالقوة العمومية   عرفت المحاكم التي مست قضاة فيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *