اليمن على وشك الحياة… ترنيمات أممية تحت سقف الكارثة

قاموس الحرب في اليمن غني بمفردات تخلو من دلالاتها الحقيقية، ولا عجب في ذلك، لكن ما تزودت بها الإحاطات الأممية وتقارير المنظمات الإنسانية بصورة متكررة، منذ سنة أولى حرب، هي كلمة “على وشك”.

كل شي في ذلك البلد ما يزال “على وشك” الانهيار حتى بعد أن انهار وأنجز.. و”على وشك” المجاعة، حتى بعد أن جاع ونضب جسده وجفّ ومات، فهو حسب لغة الخواجات، وبصورة مستدامة، يقطع بدون كلل المسافة الحرجة المتبقية إلى قاع الهاوية. وبالتأكيد ينتظر العالم لحظة الارتطام العميق ليبحث حينها عن وصف يقارب حالة “العدم اليماني”. ولن يستبعد أحد أن تكون هناك، بعد أن تتشبع عقول الروائيين وكتاب السيناريوهات بتفاصيل الأحداث، التي تتحول إلى ذكرى جارحة للضمير الإنساني، أعمال سينمائية تقدم “المعركة المتخيلة” على “قاع صنعاء” الفسيح، فكل شيء يتم استثماره غربياً، حتى آخر الأشلاء التي يحاك من أنسجتها البيولوجية، خيال هوليوودي يشبع رغبة المشاهد في العالم الحر، أو ربما في أحسن الأحوال تصبح هناك حاجة تضامنية لتخليد مأساة القرن، من خلال استدعاء إزميل فيدياس الإغريقي، لإلهام النحاتين بتصميم نصب تذكاري عملاق على الأكروبوليس الصنعانية في “بني مطر” أو على “نُقم” أو “عيبان”، أو أحد المرتفعات من جبال السروات المحيطة بالمدينة، التي خزنت في جوفها مستودعات ضخمة للأسلحة والصواريخ، وتحولت من خلال قاذفات التحالف العربي إلى جحيم يرسل حممه الملتهبة على سطوح المنازل ورؤوس المارة، وذلك جزء من الحكاية. لقد استنفدت الجهات المتحاربة بشاعتها وقدّمت لبلادها، بدعم دول الإقليم المتصارعة كل أنواع الكوارث، فالموت وحده بصوره المتعددة ليس سوى ركن من أركان المأساة، لأن هناك الكثير ما يحيل الذاكرة الشعبية إلى مفاعل نشيط لإنتاج الأحقاد وشهوات الانتقام في العقود المقبلة. فهل يدرك العالم أن تقديم إطار نمطي للمفاوضات أو المشاورات، ليس سوى إنجاز بيروقراطي لموظفي الأمم المتحدة، في مهام تكميلية تتوافق مع استرخاء السلطة الشرعية المترفة بالوظائف الدسمة وبريستيج دول البترول، وكذلك مع استماتة “أنصار الله” في الحفاظ على حقهم المقدس في الحكم والجباية، ليكتمل مسرح المأساة في عرض كامل لأدوار المتبضعين من بازارات الموت؟ في كل مرة يستوي فيها الموفد الأممي على مقعده في مجلس الأمن، بصورة مباشرة أو عبر الفضاء الشبكي، ويسوق خطابه المكرر مع مستحضرات جديدة ومؤثرات كلامية تضيف “مساجا منعشا” للنصوص التقليدية.. يحس المشاهد أو المستمع بأن هذا الخطاب تنقصه آلة وترية ليصبح ترنيمة رومانسية تروض القلوب للتعاطف مع المعاناة المضنية للأمم المتحدة في هذا “الفضاء المرعب”.. ولا يفوت المشاهد، أو المستمع في كل دورة أن ينصت لفقرة “المرجعيات” و”القرارات الأممية” السابقة التي يرى بعض المراقبين أنها زمام منزلق في رحلة صعود إلى الهاوية. لأن العالم إذا لم يغير من رؤيته ومقارباته نحو الواقع اليمني الذي يزيد تعقيدا، مع كل لحظة تمر، فإنه وفي وقت قريب لن يجد في ذلك البلد المنكوب ما يمكن تسويته. نعم هذا هو الحال، فالأرض التي تمتد على تخوم الجوار الأغنى في المشرق العربي، غير مؤهلة لأن تستوعب كل إخراجات ومنتجات الحرب الباردة في هذا الإقليم، أو تبقى رهينة الحسابات الخارجية بصورة عامة حتى يحين وقت الصفقات وتبادل المصالح بين الكبار. اليمن دولة هشة بطبيعته الجينية لأسباب تعود إلى، العزلة التاريخية التي عاشها طويلاً تحت حكم الإمامة، وما تلاها من أشكال قلقة للنسخة “المعاصرة” بطابعها العسكري القبلي، ومواردها الضئيلة وإدارتها الرثة ومواجعها المتعددة وانتكاساتها الدورية، التي تكررت على إيقاع زمني، وكأنها هزات قدرية منتظمة تخلو من المصادفة المحضة.. حتى كاد البعض يتساءل هل هي مشيئة سماوية؟ أم خديعة أرضية تتوالى لكي تظل هذه الجغرافيا التاريخية مسلوبة الإرادة والأمل؟ ذلك اليمن الذي يتحمل هذه الكارثة فوق طاقته الطبيعية بات منسيا، كما أشار “جريفثس” مؤخراً قبل أن يستدرك بأنه الفارس الحي الذي يعيده الى عناوين الأخبار باللون الأحمر الأنيق ليضفي على الملعب الأممي هيبة المقتدر المكين. لماذا يتلكأ العالم في تقديم حلول حقيقة ومستدامة وبصورة جادة وفاعلة بعد أن جرّب المجربون خطابات التهدئة ومشاريع قرارات مجلس الأمن والهدنات والمشاورات والإطارات والبراويز والوساطات والرحلات المكوكية؟ بينما يعيش اليمن بشهادتهم أكبر كارثة إنسانية في التاريخ المعاصر، حيث لم يعد هناك برزخ رمادي أو أسود يفصله عما هو أبعد من ذلك. لأنه لا يوجد في موسوعة الحروب وصف لما هو أكبر من “أكبر كارثة” حتى في سياق الرطانة الأممية، أو برطمة التحالف العربي. الحراك الدبلوماسي الذي شهدته المنطقة والزيارات والتسريبات، وكذلك اللقاءات في العواصم القريبة من وطن المأساة، وما رافق ذلك من حملات إعلامية تبشيرية، لم يضف شيئا إلى المشهد سوى التأكيد على أن العالم ما يزال يتذكر اليمن. وربما الجديد الأهم في كل ذلك هو محاولة إنعاش خيال الباحثين عن أخبار النجاة من جحيم الحرب، باختيار بقعة مميزة في الفضاء الأوروبي لتصبح موطناً لجولة متوقعة من المشاورات المخطط لها، التي يراها مراقبون للشأن اليمني بأنها قد لا تمثل أملاً حقيقيا بغض النظر عن الإطار التفاوضي الذي لمح له ممثل الأمين العام، غير مرة، بعد جهود ولقاءات وتفاهمات متعددة. فلا يمكن لأي حلقة في مسلسل المفاوضات المتقطعة أن تصنع نهاية للحرب، إذا لم تكن هناك إرادة إقليمية ودولية لتقديم حلول شاملة غير منقوصة وضمانات جادة لإنجاحها. عندها يمكن القول بأن اليمن شماله وجنوبه أصبح على وشك الحياة. أي أن المدينة الواقعة على هضبة أسكندنافيا، التي ربما تغذي بيئتها أمزجة الحاضرين بلون المنحدرات البيضاء، لا ترشدهم بالضرورة إلى مواويل الحصاد بقدر ما تضعهم “على الجانب الآخر من الشتاء” الذي قد يكبح طاقاتهم الانفعالية المتهورة قبل عودتهم إلى ديارهم. هذا إذا كُتب لهم أن يبلغوا تلك الأرض البعيدة في موسم الجليد.

أحمد عبد اللاه

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *