أشارت تقارير صحفية إلى أنّ السفارة الأمريكية في بغداد حذّرت السلطات العراقية من احتمال قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي بقصف مواقع داخل الأراضي العراقية، تابعة لـ”الحشد الشعبي” ويديرها “الحرس الثوري” الإيراني بالطبع، تأوي مصانع أسلحة صاروخية مخصصة للتصدير إلى “حزب الله” اللبناني. فإذا صدقت هذه الأنباء، ووضع المرء في الاعتبار حقيقة أنّ واشنطن يندر أن تُفشل مسبقاً عمليات أمنية إسرائيلية حساسة، فإنّ المراد هو متابعة الضغط الأمريكي على الحكومة العراقية بصدد نفوذ إيران، عبر منظمات مثل “الحشد”، وميليشيات أخرى تدور في فلك طهران.

صبحي حديدي/ كاتب سوري وكان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قد ألمح، أثناء اجتماع مع رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في بغداد مطلع الشهر، إلى أنّ واشنطن لن تتدخل ضدّ هجمات كهذه. كما نقل تقديراً إسرائيلياً صريحاً يفيد بأنه من غير المجدي قصف فصائل “الحشد” داخل سوريا (على غرار ما فعل الطيران الحربي الإسرائيلي في حزيران/يونيو الماضي، شرق دير الزور)؛ لأنها “تعود كلّ مرة إلى تنظيم صفوفها، والانطلاق من العراق مجدداً”. وهكذا، بين عربدة، باتت دائمة ومتواصلة، في أجواء سوريا جنوباً وشرقاً وغرباً؛ وتدمير أنفاق “حزب الله” في الجنوب اللبناني، والانطلاق من الأجواء اللبنانية لقصف سوريا والعراق، الأمر الذي يرقى إلى أعمال الحرب الصريحة؛ ثمّ القصف، أيضاً، في العمق العراقي وليس على الحدود السورية ــ العراقية وحدها… تواصل دولة الاحتلال تثبيت قواعد اشتباك مع إيران، هي بمثابة مقوّمات واضحة المعالم، متماسكة العناصر، عالية الفاعلية، لا رادع لها ولا رقيب أو حسيب! إنها، بادئ ذي بدء، تحظى بمصادقة واشنطن، وسكوت موسكو، وإغضاء أنقرة؛ بالنظر إلى أنّ الطيران الحربي الإسرائيلي يتفادى، بمهارة واحتراف، ارتكاب “الضرر المجاور” حين يقصف هنا وهناك، فلا يصيب التحالف الدولي ولا الروس ولا الأتراك. وحين يقع المحظور (كما في إسقاط طائرة “إيل ـ 20” الروسية في سماء الساحل السوري، أيلول/سبتمبر الماضي)، فإنّ الخطأ وقع من جانب بطاريات النظام السوري، والحادثة ذات “أسباب عارضة” حسب تعبير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وهي، تالياً، قواعد اشتباك تخدم غرضاً ستراتيجياً تتفق عليه القوى الكبرى الثلاث المنخرطة في الملفّ السوري راهناً، أمريكا وروسيا وتركيا؛ أي تحجيم النفوذ الإيراني، العسكري بصفة خاصة، على الأرض في سوريا؛ وخفض أوراق طهران عندما يحين أوان المحاصصة الفعلية وتقاسم الراهن والمستقبلي في البلد، وربما على نطاق الـLevant بأسره، وفقاً للتعبير العجيب الذي أحياه مؤخراً الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون. والقواعد، ثالثاً، لا تتوسل إشعال حرب إيرانية ــ إسرائيلية فعلية، شاملة، أو ساحقة ماحقة كما يقول التوصيف الشهير؛ بل هي نزالات مصغّرة تقصّ، ولا تقلّم فقط، أيّ أظافر إيرانية يمكن أن تستطيل أو تتقوى على امتداد كامل النطاق الجيو ــ سياسي الذي يقرّر الكيان الإسرائيلي أنّ خطوطه حمراء بالنسبة إلى أمنه. وبهذا فإنّ الغرض ليس استهداف قاسم سليماني شخصياً، ومثله حسن نصر الله، أو أبو مهدي المهندس قائد “الحشد” الفعلي؛ ولا حتى المقارّ، على الأراضي السورية، التي تختزن رموزاً “سيادية” إيرانية، مذهبية أو استخباراتية. والقواعد، رابعاً، تعتمد في العمق السياسي على تبعية أنظمة عربية متهالكة مستبدة، فاسدة وفاشلة، تغدق مئات المليارات على عقود أسلحة لا يلوح أنها سوف تُستخدم في أيّ يوم، إلا ضدّ الشعوب. وتنخرط، سعيدة أو صاغرة، في مشاريع وصفقات تعلن تسوية النزاعات، لكنها تستبطن تصفية القضايا وإهدار الحقوق؛ فضلاً عن تورطها في صراعات عسكرية عربية وإقليمية، غايتها العظمى الأولى هي تهدئة المخاوف الداخلية إزاء آفاق انتفاض الشعوب وثوراتها. فمنذا الذي يمكن أن يواجه دولة الاحتلال الإسرائيلي اليوم، في سوريا أو في العراق أو في تلك الجثة الهامدة التي سُمّيت ذات يوم بـ”المقاومة اللبنانية”؟ وما الذي ينقص الكيان، أو ينغّص عليه، بعد اعتراف عبد الفتاح السيسي بأنّ الطيران الحربي الإسرائيلي يعمل في سيناء برخصة من… الرئاسة المصرية؟

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *