إيران وزراعة الفطر السياسي

في عام 2003 أخرج النظام الإيراني من قبعة سحره شخصا من خارج كل السياقات السياسية والحزبية المعروفة أو المتواضع عليها، ودفع به إلى واجهة المشهد السياسي والإداري، في محاولة لتكريسه شخصية قيادية يتم العمل على تأهيلها للعب دور أساسي في إدارة النظام. هذه الشخصية كانت استاذا في كلية الهندسة محمود أحمدي نجاد، الآتي من تجربة فاشلة في حكومة الرئيس الراحل هاشمي رفنسجاني، انتهت إلى إقالته من الموقع الذي شغله محافظا لمدينة أردبيل، يقال إن السبب وراءها كان اتهامات بالفساد لفريق المحافظ حينها، تمحورت حول تهريب النفط بالدرجة الاولى. قرار دوائر النظام بالدفع بأحمدي نجاد إلى الواجهة جاءت ترجمته بتعيينه «عمدة» للعاصمة طهران أواسط عام 2003، والهدف كان منح هذا الرجل فرصة الاطلاع على آليات إدارة الدولة والحكومة على شكل مصغر، تمهيدا لإيصاله إلى موقع رئاسة الجمهورية، حسبما عبر حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة «كيهان» المحافظة، والمقرب من المرشد، في احدى الجلسات الخاصة للتيار المحافظ بعد تصاعد الخلاف بين هذا التيار وأحمدي نجاد. تحول أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية عام 2005 إلى حصان السبق في مواجهة الشيخ هاشمي رفسنجاني، أحد ابرز شخصيات النظام وقياداته و»هوية الثورة»، كما وصفه الرئيس السابق محمد خاتمي، وبقرار من الغرف الخلفية للنظام، تمت هندسة النتيجة وإعلان فوز أحمدي نجاد وهزيمة رفسنجاني، ليصبح أول رئيس من خارج دائرة القرار بصلاحيات موسعة في المسائل الداخلية، بهدف تقديم تجربة مختلفة تسعى لطمس معالم مرحلتي البناء ـ رفسنجاني والإصلاح ـ خاتمي، تعيد للتيار المحافظ مواقعه داخل المجتمع الإيراني. وخلال ثماني سنوات من رئاسته، لم تشهد إيران، على الرغم من كل التحديات التي مرت بها هذه الدولة، هذا الكم الكبير من الأزمات الداخلية والخارجية، كالتي أثارها أحمدي نجاد وفريقه، إذ استطاع تدمير كل المؤسسات المالية والاقتصادية الاستراتيجية، وأنفق كل ما حققته الدولة من احتياطيات مالية بالعملة الصعبة، جراء ارتفاع اسعار النفط، التي تقدر بنحو 700 مليار دولار، إضافة إلى تعميم الفساد والهدر والاختلاس، فضلا عن الدخول في مغامرات اقتصادية ومالية أدت إلى ضياع الكثير من الأصول الإيرانية في الخارج. تأثيرات عهد أحمدي نجاد السلبية لم تقف عند حدود الاقتصاد والمال، بل طالت المستوى السياسي الإقليمي والدولي، فتراجعت علاقات إيران الدولية وتصاعدت حدة العداء مع دول الجوار العربي، وصولا إلى وضع إيران في مواجهة المجتمع الدولي في موضوع البرنامج النووي، التي انتهت بإصدار مجلس الأمن الدولي معظم القرار الدولية التي حملت سلسلة من العقوبات الاقتصادية والسياسية. في أواخر عام 2013 حاول أحمدي نجاد من خلال الحالة التي عمل تياره إلى نشرها في الأوساط السياسية والشعبية، إدخال تعديلات على الدستور، تطال مدة ولاية رئيس الجمهورية وعدم حصرها بولايتين متتاليتين، من أجل تأمين استمراريته في الرئاسة، إلا أن قيادة النظام وقفت بوجه هذا التوجه الذي يحتاج إلى فتح باب الاستفتاء الشعبي، وهو ما لا ترغب به. عندما يئس أحمدي نجاد من امكانية بقائه في الرئاسة بعد تعديل الدستور، دفع بأحد مساعديه وأمين سره والاقرب له، وهو اسفنديار رحيم مشائي، للترشح في السباق الرئاسي في مواجهة المرشح القوي حسن روحاني عام 2013 ومساعده حميد بقائي عام 2017، إلا أن دوائر النظام التي تمتلك القرار، خاصة مجلس صيانة الدستور رفض أهلية مشائي لخوض الانتخابات، ما أدى إلى خسارة أحمدي نجاد معركة البقاء في دائرة القرار مبكرا. المسار الذي اتخذه أحمدي نجاد في تحدي المؤسسات الرسمية والقيادية في النظام الايراني، تسببت بالكثير من الإحراج لقيادة النظام وتحديد المرشد، وباتت الأمور تتراوح بين اتخاذ إجراء بحق أحمدي نجاد ينتهي باعتقاله وزجه في السجن، أو السكوت عنه شخصيا وتفكيك دائرة المقربين منه. وباعتماد الخيار الثاني دخل كل من رحيم مشائي ومساعده حميد بقائي السجن بتهم الإفساد في الارض والاختلاس والفساد. لم يكتف أحمدي نجاد بالتصويب على الحياة السياسية ومحاولة البقاء في دائرة القرار، بل وجّه سهام انتقاداته إلى كل الانجازات التي حققتها حكومة حسن روحاني، خصوصا في الاتفاق النووي وتحميلها مسؤولية الأزمات الاقتصادية التي تمر بها إيران، في محاولة لإبعاد التهمة عنه. وبالتالي خلق حالة من التحدي والإرباك للنظام الذي بات يتحدث عن تيار «الفتنة» الذي يتزعمه أحمدي نجاد. لم تقف تحركات أحمدي نجاد عند حدود انتقاد الحكومة وادائها السياسي والاقتصادي والنووي، بل تعداها ليصل إلى مستوى توجيه الانتقادات لمرشد النظام آية الله علي خامنئي مباشرة، أو من خلال توجيه سيل من الرسائل له يتحدث فيها عن مسؤولية خامنئي في التصدي لما تقوم به الحكومة وبعض مراكز القرار، خصوصا رئاستي البرلمان والسلطة القضائية من أعمال تضر بمصلحة الثورة والنظام، داعيا خامنئي لاتخاذ إجراءات تتصدى لهؤلاء الاشخاص وتصحيح المسار. ولعل أبرز ما قام به أحمدي نجاد في هذا الاطار هو تحديه لرغبة المرشد الذي طلب منه عدم الترشح في السباق الرئاسي عام 2017 ضد روحاني، لكنه أعلن ترشحه، ما أجبر صيانة الدستور على رفض أهليته. تحديات أحمدي نجاد لم تتراجع، وآخرها ما كشفه عن رسالة إلى المرشد يطالبه فيها بإقالة رئيس الجمهورية ورئيسي البرلمان علي لاريجاني ورئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني، والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة لتصحيح الأوضاع، وإنهاء الوضع الشاذ الذي يمثله روحاني في الرئاسة. وفي خطوة أكثر جرأة، أعلن أحمدي نجاد قبل أيام عن تأسيس تيار سياسي يحمل اسم «الحركة باتجاه الربيع» أو حركة الربيع، التي تحمل في الرؤية التي تضمنها المنشور المؤلف من 12 مادة تصورا كونيا لهذه الحركة يتجاوز البعد السياسي المباشر، ما يحمل على الاعتقاد بأنها قد تتخذ بعدا يصل حد التأسيس لفرقة دينية، خصوصا أنه من أصحاب نظرية الإسلام الإيراني. كثيرة هي المحطات المثيرة للجدل التي قام بها أحمدي نجاد منذ قرار الدفع به إلى واجهة الأحداث، وهي محطات تحمل الكثير من علامات الاستفهام حول الأهداف التي يريدها، والتي وصلت في الكثير من الأوقات إلى عدم الاعتراف بسلطة المرشد وما يمثله من موقع ديني سياسي كولي للفقيه وتجاوزه للتأسيس لعلاقة تربط بين أحمدي نجاد والأمام المهدي (الإمام الثاني عشر الغائب لدى المذهب الشيعي). حسن فحص/ كاتب لبناني

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *