الأخلاق في مفكرة السياسة الدولية

الأخلاق يجب أن تكون حاضرة وبقوة في مفكرة السياسة الدولية، عدا ذلك فإن الاختلاف الثقافي والأيديولوجي بين الغرب والإسلام سيظل مثلما كان على الدوام محفوفا بالريبة والاحتراب. وقد طفا على السطح مع انتهاء الحرب الباردة ويزداد اتضاحا بعد أحداث سبتمبر وتنامي موجة الإسلاموفوبيا في الأوساط الغربية، التي جعلت من الخطاب العالمي السائد في العصر الحديث نتاج الحضارة الأوروبية التي تتمركز حول ذاتها، وقد اتسم هذا الخطاب مثلما أشار جون آغتيو وستيوارت كوربريدج في سياق «الهيمنة في النظام الدولي» بقيام الأوروبيين بتحديد «بنية هرمية» للمجتمعات البشرية، ما بين «البدائية والحديثة».

لطفي العبيدي/ كاتب تونسي ووُضعت الحضارة الأوروبية ضمن إطار يتطابق مع تفوقها المادي، بحيث غرزت جذورها في الحضارتين اليونانية والرومانية، وعبّرت عن حداثتها على شكل الدولة الأمة التي ارتبطت بفكر عصر التنوير واُشتُقت من فكرة دولة المدينة في بلاد الإغريق القديمة، وفكرة المجتمع السياسي التي ترسخت مع جان جاك روسو، الذي وضع مبادئ الأفكار الحديثة عن الديمقراطية وحكم الأكثرية ضمن جمهرة من رواد الفكر الديمقراطي الحديث، ممن عارضوا الحكم الملكي وأطلقوا مصطلح «الأمة» و»الحكومة النيابية» التي نص عليها أيضا جون ستيوارت ميل. وهذه الصيغة المرغوبة في النظام السياسي أكدت على مفهوم المساواة والمواطنة، ودُعمت بفكرة الهوية السياسية مع ترسيمة المفكرين الألمان أمثال هيردر وفيخته. ولكن هذا المفهوم الديمقراطي والسياسي للأمة، التي لا تعتمد فقط على الهوية السياسية الحداثية، بل على التاريخ والثقافة والتقاليد أيضا، عكس تشخيصا نمطيا مقولبا ومُهينا في علاقة بالآخر الأجنبي، وكان التعامل مع الشعوب خارج أوروبا قائما على الاستبداد الاستعماري تحت شعار «نشر الحداثة»، ولا يمكن أن يُمحى تاريخ الامبراطوريات الاستعمارية الأوروبية بسهولة القديم منه والحديث. ومثلما أكد أدوارد سعيد فإن صورة الشعوب العربية الاسلامية وُضعت بشكل فظ في «قوالب جاهزة» ضمن أشكال الخطاب الغربي على مدى فترة طويلة من الزمن، وجرى الاعتقاد ضمن الخطاب الاستشراقي الغربي حول ضرورة تشويه الشرق وحضارته، بأن أصبح مرتبطا في أدبيات الاستشراق بالقسوة والاستبداد والخداع والظلم. وهي قوالب نمطية مأتاها أيديولوجيا الهيمنة وإقصاء الآخر خارج المعيار الموضوعي. وقد عمل الخطاب الإعلامي الغربي الحديث بقوة في ترسيخ الصورة النمطية للمنطقة، إلى حد جعل فرص تشكيل الرؤية الواضحة والمحايدة لما يقصده المرء حين يتحدث عن الشرق، تبدو فرصا ضئيلة بصورة تبعث على الكآبة، بسبب كون الشرق الأوسط مرتبطا في الوقت الحاضر بسياسات القوى الكبرى واقتصاديات النفط، وبذلك التقسيم الساذج إلى ثناية «إسرائيل ديمقراطية محبة للحرية من جهة» و»عرب أشرار استبداديين وإرهابيين من جهة أخرى». وكل ذلك من ثمار التحكم بالفكر، وهي صناعة مزدهرة ومتقدمة، خاصة في الداخل الأمريكي، ولا غنى عنها في مجتمع يراه تشومسكي قائما على مبدأ «قرار النخبة» و»مصادقة الجمهور» أو إذعانه. ولا نستغرب أن تستغل إسرائيل إلى أقصى حد هذا الانحراف الاستيهامي، بأن تعتمد لعقود على الدعاية السياسية والإعلامية المختصرة على مراسلين في إسرائيل تقدم الوقائع من خلال عيون إسرائيلية، وإذا ما انعدمت إمكانية السيطرة على تقارير شهود العيان، مثلما كان مع أحداث لبنان أثناء المجازر الصهيونية، أو العدوان على غزة في أكثر من مناسبة، فإن إسرائيل تحاول حينها تقديم نفسها على أنها في موقع المظلوم وتثير الشفقة، ووسائط الإعلام تُظهر وقائع وتُهما باطلة في شأنها. وفي مناخ ثقافي وإعلامي من هذا النوع عندما يجرؤ شخص ما على ذكر أو انتقاد فظاعة ما تقوم به، فإنها تُسرع إلى الرد بأن «روح اللاسامية تزدهر» وتحشد الصحافة للتعبئة وتنشر الأكاذيب وإخلاء نفسها من المسؤولية .وهذا السجل مازال يتمتع بالحصانة لدى الرأي العام الغربي «المستنير» الذي يواصل ترديد اللازمة المعهودة، بأن السبب الجوهري للإرهاب والتطرف يكمن في افتقار الشرق الأوسط للديمقراطية، ومازالت الولايات المتحدة والغرب عموما يقدمون أنفسهم على أنهم يمتلكون الحكمة والتدبير لحل هذه المشاكل، متناسين أرشيفا حديث العهد في العراق وغيره، ينهض شاهدا على عصر «التبشير» بالديمقراطية وحقوق الإنسان. من المخزي أن يفتقر العالم اليوم إلى مؤسسات دولية فعالة يمكنها أن تمنح الشرعية لفعل جماعي عماده الأخلاق والإنسانية، فالتطور السياسي الذي ترسخ على امتداد أكثر من مئتي عام، يفترض أن تكون الدول قادرة على إنشاء منظمات جديدة ذات فعالية على الأقل للأجيال القادمة، في الوقت الذي يستمر فيه غياب «المساءلة الأفقية» الملائمة بين الدول ورغبة البعض في منع العالم المتعدد الأقطاب واحتكار الهيئات الأممية على أسس وظيفية.

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *