اختفت لعب القفز بالحبل والغميضة، والجري و”لاماغين” وتقمص شخصيات الطبيب أو المعلم بمئزر ومحفظة كبيرة، من قاموس طفولة اليوم، وحلّت محلّها أدوار كلها عنف وقوة، وصار الطفل يلعب أدوار الوحوش والمخلوقات الخارقة، ويتلفظ كلمات كلها عنف وتدمير وقتل وغيرها من الصفات التي قتلت البراءة في نفوس هؤلاء الأطفال، الذين باتوا يعيشون حياة مختلفة تماما وسط صرخات مدوية للمختصين.

مازالت قضايا الطفولة في الجزائر تشغل عقول الجزائريين، حيث تحولت الطفولة إلى قضية رأي عام مصحوبة بتهويل إعلامي غير مسبوق، مما يستوجب دراسة وطرح كل القضايا التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بصناعة هذا الواقع الذي بات مقلقا جدا، على غرار تحوّل ذوق أطفال اليوم إلى كل ما هو عنيف وصاخب، حتى في طرق اللعب التي اختلفت من طفل لآخر لتبلغ درجة رجل آلي يملك قوة خارقة تجعله يهزم الجميع ويدمّر ما حوله. قضية قد تبدو منذ الوهلة الأولى بأنها أمر عادي، لكنها تحمل الكثير من الأسرار التي جعلت من واقع طفولتنا اليوم ينقلب رأسا على عقب، وهي الألعاب التي تغير منطقها، في وقت يحمل  المختصون المسؤولية للجميع، وكل مواطن جزائري معني بالقضية، والأصابع موجهة إلى الأسرة والمدرسة والمسجد والحركة الجمعوية.

من الطبيعة والحقيقة إلى عالم لا وجود له

كشفت دردشة جمعتنا مع أرباب بعض العائلات، أن أطفالهم أصبحوا يقضون ساعات طويلة أمام شاشات التلفزيون يشاهدون قنوات متخصصة في الأفلام الكارتون، تختلف كثيرا عن الأفلام التي كنا نشاهدها في السابق عن الوفاء والصداقة، وكانت مليئة بالأحاسيس الإنسانية وتحمل براءة الأطفال وبساطة الحياة، وقرب المنتوج المقدّم في هذه الأفلام من الطبيعة والحقيقة سواء من خلال شخصيات إنسانية أو حيوانية، أو من ناحية محيط تواجد هذه الشخصيات على سبيل المثال الغابة أو النهر أو المدينة، لكن حاليا أصبح الكرتون يأخذ الطفل إلى عالم لا وجود له وشخصيات لا علاقة لها بالواقع، وصور متحركة لكائنات مشوّهة الشكل والوجه والحركة تصدر أصواتا وحركات مقزّزة، وتفرز سوائل وتبصق وتتقيأ وتتمدد وتختفي وتظهر ثم تتحوّل من بشر إلى وحوش، أو مخلوقات عجيبة يشاهدها الطفل ويتفاعل معها ويحبّها، أما القصص الاجتماعية التي تتابعها الفتيات فمليئة بالمشاهد العاطفية والقبلات واللباس المتبرج والإثارة، ليكون نهاية القصة الزواج، في العادة، من خلال لبس الفستان الأبيض والاستقرار في قصر من الأحلام. “الغميضة” والقفز على الحبل في خبر كان وبالمقابل لم تعد تستهوي طفل اليوم، ألعاب كانت في وقت غير بعيد أهم ما يلعبه جيل الأمس، من لعبة الغميضة التي كان يتنافس عليها الإناث والذكور، في جو من البهجة التي تطبع المكان، تعقبها موجة ضحك شديدة من أفواه براءة كلها أمل في الغد، في حال ما تم القبض على أحدهم، مختبئا في مكان يثير الاستغراب، فيما كانت لعبة القفز على الحبل اللعبة المفضلة عند الفتيات اللواتي يرقصن على أغاني يرددها الكل، قبل أن يوقفوا الأغنية حال ما تعثرت رجل الفتاة التي تقفز على الحبل، لتدخل مكانها أخرى، ويستمر الغناء مع تغيير اللحن والكلمات، وفي السياق تقول “لبنى” من جيل الأمس، إن هذه الألعاب اختفت من قاموس أطفال اليوم، الذين باتوا يفتشون على كل ما هو خارق، سيما ما تعلق بألعاب “البلايستايشن” التي تحمل في طياتها الكثير من العنف والدّمار الذي يدمّر عقل الطفل ويجعله يفكر في كل ما له علاقة بالقوة والخشونة والتحدي. من جهة أخرى، يقول “عبد الحق” أب لثلاثة أطفال، أنه يتفاجأ بذوق أطفاله كلما اقتادهم لاقتناء ألعاب، أين يطلبون كل ما له علاقة بالحرب والدمار، مسدسات بلاستيكية كبيرة الحجم، برجل آلي بوسعه إطلاق النار على كل من يعترض طريقه، رافضين كل لعبة ليست بهذه المواصفات، وفي حال ما واجه طلباتهم بالرّفض، يدخلون في حالة هستيرية مصاحبة بالبكاء الشديد، ما يجعل الوالد يرضخ لطلبهم، ويقتني اللعب المفضلة لأطفاله رغم خطورتها عليهم. *تقمص أدوار كلّها عنف وقوة خلال تواجدنا بقرب أحد رياض الأطفال بولاية سطيف تحدثنا إلى أطفال تتراوح أعمارهم ما بين السنتين والخمس سنوات، سألناهم عن ألعابهم المفضلة، فكشفوا لنا عن عالم غريب، مليء بالعنف والقوة، حيث أجاب طفل أنه يستطيع أن يتحول إلى وحش مفترس بمجرد أن يطأطئ رأسه إلى الأسفل، كما أنه يمتلك القوة النارية التي تمكنه من تدمير الكرة الأرضية كلها، أما طفل آخر فهو رجل آلي حسب كلامه ويملك قوة خارقة تجعله يهزم الجميع ويدمر ما حوله، فأخذ في الصراخ وتقمص الشخصية التي يتوهمها، إلى جانب حكايات أخرى يطغى عليها منطق القوة والعنف، وهي نتيجة لما يشاهدها هؤلاء الأطفال على شاشات التلفزيون، فيتخيّلون عالما من الوحوش، القوى الخارقة، وحرب الأشعة والكواكب، فيتقمّص الطفل شخصيات خيالية خرافية ليست حتى بشرا، ولا حيوانا بل أشكالا مشبوهة بشعة تظهر للطفل وكأنها أشياء عادية وموجودة في عالم ما أو مكان ما.

الإدمان تحدّ أرهق الأولياء

حتى بعض الأولياء الذين التفتوا لخطورة الوضع التي يتواجد فيه أبناؤهم، وجدوا أنفسهم أمام تحد كبير في مساعيهم لإنقاذ أبنائهم من هذه الورطة، فقد أكد لنا أحد الأولياء أن ابنه أصبح يبكي بكاء شديدا إذا حاول تغيير قناة التلفزيون ووضع برنامج أطفال هادف أو رسوم كارتونية هادئة، فيطلب هذا الطفل من والده أسماء غريبة يحفظها ويقلدها في الغرفة ويقفز مثلها، ثم يمسك بأشياء في يده ويتخيل نفسه أنه سيتحول إلى إنسان ويحاول رفع أشياء ثقيلة حينما يرفض والده تغيير القناة، حيث يواجه الطفل والده على حدّ قول هذا الأخير بحركات عنف من طرف ابنه تعلّمها من البرامج التي كان يشاهدها من قبل، وبالتالي حتى تغيير هذا الواقع أصبح صعبا من طرف الأولياء الذي التفتوا إلى المخاطر التي باتت تحدق بأبنائهم، سيما أن هذا الطفل أصبح يلتقي بنظرائه في أماكن أخرى تحثه على ذات الأمر كدور الحضانة، رياض الأطفال وغيرها من المؤسسات التي أصبحت مساوئها أكثر من محاسنها. المختصون يفتحون النار على الجميع لم يوجّه المختصون في علم النفس التربوي إلى الأولياء فقط رغم اعتبارهم المسؤول المباشر كونهم منحوا مهمة تربية أبنائهم للتلفاز وهمّشوا أنفسهم، بل حمّل المختص “ع. د” المسؤولية للجميع، الأسرة، المدرسة والحركة الجمعوية، فبالنسبة للأسرة يقول محدثنا: “هناك آباء لا يلتقون بأبنائهم إلا صدفة، فلا يتابعونهم ولا يعلمون ماذا يشاهدون ومع من يجلسون سواء في المنزل أو خارجه”، وفي المساجد يضيف ذات المتحدث “هناك أئمة لا زالوا يتحدثون عن عبدة الأصنام والقرون الأولى، ولا علاقة لهم بواقع الناس، بل منهم من يستنسخ خطب السنة الماضية ليلقيها هذا العام والسنة القادمة، أما أحدث الدروس فيتطرّقون فيها إلى خلافهم مع اللجنة الدينية للمسجد ومشكل الميضاء ولواحقها، ومشكل المصلين الذين تسببوا في تعطيل الموقد والمبرد وفتحوا النوافذ دون إذن ..”، وأما الجمعيات ففي نظر المتحدث المذكور فإنها غائبة على طول فلا حضور لها إلا في المناسبات ولا اهتمام لأصحابها إلا بالدعم المالي.

س. ع

شاهد أيضاً

التكفل بقرابة 12 ألف مشرد بالعاصمة

خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة   استقبل مركز الإيواء الاستعجالي بدالي ابراهيم بمختلف ملحقاته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *