الرئيسية / أقلام / 4 نوفمبر وحرب الرهانات الأمريكية والإيرانية

4 نوفمبر وحرب الرهانات الأمريكية والإيرانية

يبدو أن اختيار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موعد الرابع من نوفمبر لفرض الحزمة الأكثر إيلاما من العقوبات ضد إيران لم يأت من فراغ. فتحديد هذا التاريخ يشكل محطة أساسية في إشكالية العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران منذ نحو اربعة عقود.

ففي هذا التاريخ احتلت السفارة الأمريكية في العاصمة الإيرانية طهران عام 1979 على أيدي مجموعة من الطلاب الثوريين، على أثر تفجر الخلاف بين طهران وواشنطن على خلفية استقبال الأخيرة لشاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي، في وقت كانت واشنطن شديدة الحرص على استمرار هذا العلاقة، في ظل رهانها على تحقيق اختراق في صفوف القيادات الجديدة لإيران التي تولت مهام الحكومة المؤقتة برئاسة الدكتور مهدي بازركان.واستمر الوضع إلى يوم 24 أبريل/نيسان 1980 تاريخ العملية العسكرية الفاشلة “مخلب النسر” حسب التسمية الأمريكية، وعدوان “صحراء طبس” حسب التسمية الإيرانية لتحرير الرهائن، لتدخل بعدها العلاقة في مسار طويل ومعقد من المفاوضات، شهدت اخر فصولها العاصمة الجزائرية وانتهت في 20 يناير/كانون الثاني 1981 باطلاق سراح الرهائن وعددهم 52 أمريكيا بعد ساعات من أداء الرئيس الامريكي رونالد ريغان اليمين الدستورية خلفا للرئيس جيمي كارتر.بعد عودة الرهائن، دخلت العلاقة بين البلدين في نفق الخلاف الذي مازال مستمرا، وارتفعت معه شدة المواجهة بين مصالح الطرفين في المنطقة، خصوصا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي وصلت أوجها بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان يونيو 1982. ومعها ارتفعت وتيرة العقوبات الأمريكية وحصار إيران للحد من نفوذها وتمددها آنذاك تحت شعار “تصدير الثورة”. إذن، تاريخ الرابع من نوفمبر في الذاكرتين الايرانية والامريكية، يعود إلى لحظة تبلور حرب العقوبات الامريكية ضد النظام الإسلامي في إيران بقيادة الإمام الخميني. واستعادة هذا التاريخ لإعادة فرض عقوبات امريكية جديدة، بعد أن استطاعت طهران التملص من عبء العقوبات السابقة من خلال التوصل إلى التوقيع على الاتفاق النووي مع مجموعة 5+1 في عهد الرئيس باراك أوباما، وإن كانت دوافعه واضحة لدى ادارة الرئيس ترامب، إلا أنه يدفع إلى طرح الكثير من التساؤلات حول إمكانية إيران على مواجهة هذه العقوبات الجديدة، وهل هي قادرة على استيعابها كما فعلت بعد عام 1979؟ ففي ثمانينيات القرن الماضي كانت الثورة ما تزال فتية، وكانت الحاضنة الشعبية ما تزال ملتفة حول قيادة ذات كاريزما طاغية تمثلت بوجود المؤسس، وثورية شبابية استطاعت أن تجبر الامام الخميني في الخامس من نوفمبر للانضمام اليها وتأييدها في العمل الذي قامت به باحتلال السفارة، وان يعتبر ما قام به هؤلاء الشباب بانه “الثورة الثانية” المكملة للثورة الاولى التي اطاحت بنظام الشاه، وأنها استطاعت أن تسقط الرهانات الامريكية على العودة إلى لعب دور في الداخل الايراني من خلال نسج علاقات مع عدد من القيادات الليبرالية التي سيطرت على مفاصل السلطة في الحكومة المؤقتة، خصوصا صادق قطب زاده الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية حينذاك. هذه الحالة التي كانت سائدة أسهمت في دفع المجتمع الإيراني إلى الوقوف إلى جانب قيادته في تحمل تبعات واعباء العقوبات، يضاف إليها الحرب التي كانت تخوضها إيران مع نظام صدام حسين في العراق. فتحول المجتمع الايراني بكل مكوناته وفئاته إلى كتلة حاملة للمشروع ـ الحلم بالعدل والمساواة والرخاء والحرية- بانتظار أن تتراجع التحديات التي فرضت على إيران في تلك المرحلة. كان تقبل وتحمل المجتمع الايراني للعقوبات في ثمانينيات القرن الماضي وما تلاها من سنوات فعل إيمان عام بأن الإجراء الامريكي يستهدف الثورة التي أنجزها الشعب الايراني بكل مكوناته ومختلف مشاربه وافكاره وانتماءاته. ولا تستهدف جهة محددة في النظام الجديد. *عقوبات ترامب وحقائق إيران الجديدة بغض النظر عن بعض الدوافع التي تقف وراء قرار الرئيس الامريكي ترامب بإعادة فرض العقوبات على إيران، إلا أن هناك حقائق لا بد من التوقف عندها تخص المجتمع الإيراني بعد مضي نحو 40 عاما على الثورة التي قام بها ونحو 40 عاما على أول عقوبات أمريكية تفرض عليه. وهي أن الشباب -الثوار الذي قاموا باحتلال السفارة الامريكية عام 1979 باتوا ومنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي من زعماء التيار الاصلاحي، ومن اشد المنادين والمؤيدين للحوار مع الولايات المتحدة، وقدموا قراءة نقدية حادة لتجربتهم في احتلال السفارة والتداعيات التي أدت إليها، وهم من يرفع الآن راية الدعوة إلى الحوار وعودة العلاقات وليس فقط التفاوض، حتى إن تطلب ذلك تقديم بعض التنازلات، انطلاقا من رؤية لديهم بان ما يربط بين إيران وامريكا في المنطقة والعالم اكثر وأعمق وأكبر من هذا الخلاف الدائم المفتعل في كثير من الأحيان. وقد دفع الغالبية منهم ثمن هذه المواقف الجديدة، فادخلهم النظام الاسلامي، الذي أسهموا في إرسائه، السجون وتحملوا أحكاما بالسجن الطويل والمنع عن ممارسة العمل السياسي والحزبي، وحتى الكتابة. والمجتمع الايراني الذي كان تعداده لا يتعدى 30 مليونا في بداية الثورة، لم يصل إلى الحلم الذي ثار من أجله بتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر والفساد، وان التجربة أسهمت في تعميم الفقر وليس الرخاء، وابقت على حصرية الثروة داخل طبقة جديدة مستجدة استفادت من الثورة ومكاسبها على حساب المشروع والآخرين. وبات من الصعب إقناع غالبية شرائحه بشعارات قديمة ومستعادة، وبات هذا المجتمع أكثر تمسكا بالمكتسبات التي انتزعها من براثن مستغلي الثورة والراكبين على ظهرها، اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وانفتاحا وتواصلا ورخاء، خصوصا أنه يعتقد أنه حرم من قطف ثمار الانفراجة التي حصلت منذ ثلاث سنوات هي عمر الاتفاق النووي مع القوى الكبرى، وتراجع العقوبات الدولية المستمرة والمفروضة عليه لاعتبارات قد لا تعنيه في كثير منها. وهذا لا يعني أن الحس والشعور الوطني لدى الايرانيين قد اصيب بانتكاسة حادة، اذ أن “الايرانية” لا تقل شوفينية عن شوفينية اي عقائدي قومي، وهو على استعداد للتخلي عن كل المحاذير والملاحظات التي يحملها في حال وجد أن بلده يتعرض لخطر حقيقي أو عدوان خارجي.من هنا، فان اختيار ترامب لتاريخ الرابع من نوفمبر، قد يستهدف الذاكرة الشعبية الايرانية لدى الجيل الذي عايش تلك الفترة، ويستهدف أيضا المكتسبات التي حققتها الاجيال اللاحقة التي لم تعش أزمات وشدائد المرحلة الاولى. أما النظام الايراني، فلن يكون في وضع مثالي يضمن له تكاتفا وتضامنا شعبيا ضد العقوبات، كما حصل قبل 40 عاما، لذلك فان المتوقع أن يواجه صعوبات في حشد الشارع الشعبي لمواجهة تداعيات العقوبات الجديدة، خصوصا أن العام الحالي 2018 شهد الكثير من التحركات والحركات الاحتجاجية والتظاهرات، على خلفية تأزم الوضع الاقتصادي لاسباب داخلية تتعلق في الخلافات الحادة على ادارة الملف الاقتصادي بين الحكومة والمؤسسات الموازية، خاصة المؤسسة العسكرية بجناحها المتمثل بحرس الثورة الإسلامية. وهي أزمات نشأت وانطلقت قبل بدء العقوبات وحتى قبل إعلان الرئيس الأمريكي الانسحاب من الملف النووي. كل هذه العوامل، إضافة إلى عامل دور إيران الإقليمي ونفوذها في المنطقة، قد تكون في خلفية قرار سيد البيت الابيض، مدركا لذلك أو غير مدرك، وأيضا هذه العوامل مجتمعة هي حاضرة في تحركات وتصرفات القيادة الايرانية التي تدرك جيدا أنها أمام تحدي الاستيعاب وضرورة المبادرة من اجل ضبط الشارع الداخلي وعدم التفريط بالمنجز الاقليمي، كي تضمن استمرارها وبقاءها في السلطة. وتراهن على قدرتها في تحويل هذا التحدي إلى فرص لبناء شبكة علاقات دولية معقدة وصعبة قد تساعدها في الالتفاف على الهدف الامريكي وتعطيله، في حين يراهن الامريكي على تأجيج الداخل الايراني والدفع به للتحرك بما يحقق هدفه في التسبب بانهيار النظام من الداخل من دون التفكير في الخيار المر وعملية جراحية عسكرية للقضاء عليه.

 

حسن فحص/ كاتب لبناني

عن Wakteldjazair

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *